أحمد بن محمد ابن عبد ربه الأندلسي

169

العقد الفريد

عَلَيْهِمْ « 1 » ! ثم يقول : اذهبوا به إلى صاحبيه في أعلى عليين ! ثم يقول : هاتوا عليّ بن أبي طالب . فأجلس غلام بين يديه ، فيقول : جزاك اللّه عن الأمة خيرا أبا الحسن ، فأنت الوصي ووليّ النبي ، بسطت العدل وزهدت في الدنيا ، واعتزلت الفيء فلم تخمش فيه بناب ولا ظفر ، وأنت أبو الذرية المباركة ، وزوج الزكية الطاهرة ؛ اذهبوا به إلى أعلى عليين الفردوس . ثم يقول : هاتوا معاوية . فأجلس بين يديه صبيّ ، فقال له : أنت القاتل عمار بن ياسر ، وخزيمة بن ثابت ذا الشهادتين ، وحجر بن الأدبر الكندي الذي أخلقت وجهه العبادة ؛ وأنت الذي جعل الخلافة ملكا ، واستأثر بالفيء ، وحكم بالهوى ، واستنصر بالظلمة ؛ وأنت أول من غيّر سنة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، ونقض أحكامه ، وقام بالبغي ، اذهبوا به فأوقفوه مع الظلمة ! ثم قال : هاتوا يزيد . فأجلس بين يديه غلام ، فقال له : يا قوّاد ! أنت الذي قتلت أهل الحرّة ، وأبحت المدينة ثلاثة أيام ، وانتهكت حرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وآويت الملحدين ، وبؤت باللعنة على لسان رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، وتمثلت بشعر الجاهلية . ليت أشياخي ببدر شهدوا * جزع الخزرج من وقع الأسل « 2 » وقتلت حسينا ، وحملت بنات رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم سبايا على حقائب الإبل ؛ اذهبوا به إلى الدرك الأسفل من النار . ولا يزال يذكر واليا بعد وال ، حتى بلغ إلى عمر بن عبد العزيز ، فقال : هاتوا عمر . فأتى بغلام فأجلس بين يديه ، فقال : جزاك اللّه خيرا عن الإسلام ، فقد أحييت العدل بعد موته ، وألفت القلوب القاسية ، وقام بك عمود الدين على ساق ، بعد شقاق ونفاق ؛ اذهبوا به فألحقوه بالصديقين . ثم ذكر من كان بعده من الخلفاء إلى أن بلغ دولة بني العباس ، فسكت فقيل له :

--> ( 1 ) سورة التوبة الآية 102 ( 2 ) الأسل : الرماح والنبل .